المنجي بوسنينة

57

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الحطيئة عن سوء حاله وقلّة رزقه . فوعده الزبرقان بالمساعدة وأرشده إلى قومه الذين أحسنوا إليه . وكان هناك تنافس بين الزبرقان وجماعة من أقربائه من بني عوف المعروفين بأنف الناقة ، وقد حاول هؤلاء بأساليب متنوّعة وتمكّنوا أخيرا من أخذ الحطيئة إلى ديارهم وأكرموه كثيرا ، وعاد الزبرقان واحتدم الخلاف ممّا أدّى إلى هجاء الزبرقان بقصيدة للحطيئة منها : دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي [ ابن سلام الجمحي ، طبقات الشعراء ، 1 / 114 ؛ المبرّد ، الكامل في اللغة والأدب ، 1 / 349 ؛ البستاني ، أدباء العرب ، 1 / 648 ؛ الموسوعة العربية الميسّرة ، 726 ] . فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب ، فاستعان بحكمه على الحطيئة بشاعر مثله هو حسان بن ثابت الذي قال : لقد هجاه وسلم عليه ، فحبسه عمر . وأحسّ الشاعر برهبة السجن وألم الفراق فأخذ يرسل قصائد المدح إلى الخليفة ويستشفع بكبار الصحابة ، كلّ ذلك لم يؤثر على أمير المؤمنين ، حتى توجّه إليه بقوله : ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ * زغب الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة * فاغفر عليك سلام الله يا عمر . . . . . . . . . . . فامنن على صبية في الرمل مسكنهم * بين الأباطح تغشاهم بها القرر ويقال إن عمر تأثّر كثيرا وبكى حين سمع هذا الشعر وأطلق سراح الحطيئة ، على أن لا يعود إلى هجاء الناس واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم [ ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، 1 / 245 ؛ الجمحي ، طبقات ، 1 / 114 ؛ ابن كثير ، البداية والنهاية ، 8 / 97 ] . للحطيئة منزلة عالية في الشعر ، يزاحم بها أفحل الشعراء ، ويمتاز بحلاوة ألفاظه ووضوح معانيه وإحكام قوافيه ، وعنايته بتهذيب شعره وتنخّله ، حتّى عدّ من عبيد الشعر . قال عنه الأصبهاني : هو من فحول الشعراء ، ومتقدّميهم وفصحائهم ، متصرّف في جميع فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب ، مجيد في ذلك أجمع . وعن أبي عبيدة أنّه قال : كان الحطيئة متين الشعر ، شرود القافية ، وما تشاء أن تطعن في شعر شاعر إلّا وجدت فيه مطعنا ، وما أقلّ ما تجد ذلك في شعره . وعن ابن شبرمة أنه قال : أنا والله أعلم بجيّد الشعر . لقد أحسن الحطيئة حيث يقول : أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى * وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها * وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا [ الأصبهاني ، الأغاني ، 2 / 157 وما بعدها ؛ طه حسين ، تاريخ الأدب العربي ، 1 / 298 ] وقال أبو عمرو بن العلاء : لم تقل العرب قطّ أصدق من بيت الحطيئة : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس